آخر تحديث للموقع :01:19


ما يقع على عاتقنا

بقلم: طه كلينتش*
كاتب وصحافي تركي
لا بد وأنكم تابعتم الكلمة التي ألقاها وزير الخارجية السوداني السابق علي أحمد كرتي قبل أيام وهو يقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في جامعة الخرطوم.


كان، بطبيعة الحالة، أحد أكثر المقاطع المصورة تداولات على الشبكة العنكبوتية خلال الأسبوع، وربما شكل أكثر الأجزاء المثيرة في زيارة أردوغان إلى السودان. ذلك أن قيمته الرمزية كانت أعلى بكثير من قيمته الفعلية والسياسية.


كان من المستحيل ألا أفكر في المعنى العميق لهذا المشهد بينما استمعت لكلمات كرتي وشاهدت الشباب السوداني الذين حافظوا على التأثير الحماسي داخل القاعة بردهم على كلماته عبر التصفيق والتكبير.


فلم يكن ما تفوهت به الشفاه مدحاً جافاً، فأولئك الشباب لم يكونوا يهتفون فحسب، ولم يكن ما شاهدناه عبارة عن مظاهرة دعم سياسي فقط.


فأولئك الناس كانوا يحيون الصمود والأمل المتجسدين في شخص أردوغان في وقت ربما يعيش فيه العالم الإسلامي أكثر عهوده تمزقاً.


أهمية تركيا
لا ريب أن هذا المشهد لم يعرض أمامنا لنتداوله فقط على مواقع التواصل الاجتماعي ونحوله إلى مادة للفخر القومي ونتحدث عن "أهمية تركيا" أو حتى نغدق بعضنا بعض بعبارات الإطراء."
السودانيون أرادوا أن يقولوا لنا: لا تهدروا آمالنا وأحلامنا المعقودة عليكم هباء. اعملوا باجتهاد، كونوا مثالا للأمة بأسرها، لا تسمحوا لأن يكون الأمر مقتصرا على حماس الرئيس أردوغان وشجاعته الشخصية
"

ففي الواقع، كان ما يلي هو ما أراد السودانيون أن يقولوه لنا بعدما فتحوا لنا قلوبهم بأكثر العبارات صدقا: "لا تهدروا آمالنا وأحلامنا المعقودة عليكم هباء. اعملوا باجتهاد، كونوا مثالا للأمة بأسرها، لا تسمحوا لأن يكون هذا الأمر مقتصرا على حماس الرئيس أردوغان وشجاعته الشخصية، بل كونوا قادة مسيرة نهوض الأمة من خلال مبادرات منظمة طويلة الأمد".


فلو لم نلاحظ حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، بعدما رأينا هذا القدر من الإخلاص، ولم نستطع أن نسأل أنفسنا "أين نحن يا ترى؟


هل نعمل بالعمق الذي يلبي هذا النداء الصادق للعالم الإسلامي؟ ما مستوى جهودنا؟ هل نستطيع الوقوف وراء شعاراتنا؟".


ولو لم نعمل ليل نهار من أجل إكمال نواقصنا من خلال المسؤولية التي حملها على عاتقنا أبناء هذه الأمة من المظلومين؛ فهذا يعني أننا عاجزون عن تأدية واجبنا تجاه تلك الآمال المعقودة علينا.


أسلوب أردوغان
لقد نجحت تركيا في التخلص من العديد من القيود بفضل الخطوات الجريئة لرئيسها أردوغان وأسلوبه السياسي الفريد من نوعه، وأزيلت الموانع الرثة التي وضعها البعض إرضاء لأهوائهم، وشهدنا جميعا تطورات ومبادرات في مجال الحريات والحقوق الأساسية.


كما تعرفت تركيا على مستوى السياسة الخارجية إلى أسلوب لم تشهده من قبل، وتخطت الموانع و"الحدود" التي حاول البعض رسمها أمامها، وحاولت كسر سلاسلها والتخلص منها.


فلو نظرنا إلى كل هذه المؤشرات الإيجابية وقلنا "حسنا، لقد وصلنا إلى ما نريد"، نكون قد ثمنا القضية بالكامل بشكل خاطئ.


فثمة طريق طويل لا يزال علينا السير فيه، طريق متعرج ومليء بالصعاب.


والأكبر من ذلك أن علينا بذل المزيد من الجهود في بعض المجالات (مثل التعليم والاستخبارات والدبلوماسية) بسبب إهمال استمر لعشرات السنين.


وهذه أمور لا يمكن تحقيقها عن طريق الاعتماد على حماس وإخلاص شخص واحد والتراخي في ظل ما يبذله من جهود.


المشاكل الهيكلية
لقد كانت تركيا حتى يومنا هذا ضعيفة بسبب بعض المشاكل الهيكلية والمحظورات والموانع والخنادق والقنوات، فكنا عاجزين ومحرومين من أبسط حقوقنا كمسلمين، وكنا كلما أردنا فعل شيء أو السير خطوة إلى الأمام كنا نقابل بجبال وسدود من المصاعب وأذرع تمنعنا من التقدم.


كنا كلما أردنا تنظيم فعالية لم تكن القاعات متاحة أمامنا، وإذا أردنا الكتابة فكان من الصعب طابعة ما نكتب وتوزيعه، ولو تحدثنا لم يكن هناك أي جهة أو أداة توصل حديثنا إلى الجماهير.


لكن الآن كل شيء متاح، بيد أننا نعاني نقصا في الحماس الذي ينجز المهام بصبر ومثابرة، وفي العقل الذي يعمل بشكل منظم، وفي الوعي الذي يركز على الهدف لأغراض سامية دون تحويل الأمور إلى شؤون مادية. ولا نعلم من أي يمكن توفير مثل هذه النواقص.


تحذير وإنذار
تعتبر الدعوة التي تعالت في السودان بمثابة رسالة على النهوض، تحذير وإنذار، رسالة حتى نعود إلى أنفسنا ونتغلب على نواقصنا من خلال الإمكانات المذكورة آنفا وننجز أعمالا مفيدة ودائمة ونعمل وننتج دون توقف ونربي أنفسنا أولا ثم ننقل هذه التربية بكل حب إلى سائر شعوب الأمة."
الوزير السوداني السابق قد أوصل من على منبره في جامعة الخرطوم نداءه المكروب إلينا واحدا واحدا، وأما المسؤولية من الآن فصاعدا فتقع على عاتق كل واحد منا
"

لقد أوصل الوزير السوداني السابق من على منبره في جامعة الخرطوم نداءه المكروب إلينا واحدا واحدا، وأما المسؤولية من الآن فصاعدا فتقع على عاتق كل واحد منا.

ولن أنهي كلامي حتى أضيف ما يلي:
كما أن هناك أشياء ستتعلمها الأمة منا، فهناك الكثير من الأشياء سنتعلمها نحن من الأمة.


وكما أنهم سيتممون بعض نواقصهم بالنظر إلينا، فلا شك أننا سنتغلب على بعض نواقصنا بفضل مساعدتهم.


بالضبط كما هو الحال بالنسبة لأصابع اليد الواحدة، كل إصبع بحاجة ضرورية للإصبع الآخر، أو كأحجار الجدار التي تضعف إذا ما سقطت إحداها. بالضبط كما أننا ناقصون بدونهم وهم ناقصون بدوننا.


ولهذا فإن أكبر خيانة يمكن أن نرتكبها أمام اللطف والحب وحسن الظن الذي تكنه الأمة لنا هي أن نتفاخر بأننا الأعلى.


وما يقع على عاتقنا هو مشاركة جميع النعم الموهوبة لنا، بحمد وشكر، مع جميع الشعوب الشقيقة، دون أن ننسى – ولو للحظة واحدة – أن الإنسان يفقد أي نعمة لا يؤدي شكرها ولا يعطيها حقها.

 

*نقلاً عن صحيفة يني شفق التركية

 



شبكة الشروق


التعليقات (0)
علق
بيانات الاتصال:
تعليق:
Security
الرجاء ادخال الكود الموضح في الصورة

!joomlacomment 4.0 Copyright (C) 2009 Compojoom.com . All rights reserved."